مع الذات - السبب

…تحياتي
في النص السابق تكلمت بشكلٍ عام عن ما أشعر به وما احاول أن أمضي نحوه كي أشعر انني أتغير للأفضل وأطمس تلك الاضطرابات والمشاعر السيئة التي تتمكن مني، ذكرت كذلك أنني قررت التعامل مع أصغر الأشياء في حياتي بشكلٍ تحليلي يجعلني أصل إلى نتائج يغلب عليها الحسم؛ لذلك سأقوم بسرد تلك الطريقة التي اخترعتها لذاتي وقد يكون سبقني فيها كثيرين فالأفكار تتطاير حولنا جميعاً وتنتظر صائدها.

مسكت قلمي وبدات في كتابة الأشياء العالقة في عقلي وتحتاج إلى قرارات كي تخلصني من هذا التوتر الذي أشعر به وتجعلني أشعر أنني أكثر راحة، وكان علي كتابة تلك العناصر التي سأقوم بسردها وأشرح علة كل عنصراً منها.
العنصر الأول: السبب.
كان هذا هو السؤال الاول عن السبب الذي يدفعني لفعل هذا الشئ والذي يجب أن أصل من خلاله إلى إجابة واضحة المعالم وصريحة لكي أفهم سبب هذا الفعل وما هي المبررات التي أظن أنها سبباً للمضي نحو تلك الخطوة.
الأشياء التي أفعلها بلا سبب تجعلني أشعر أنني منهك ولا أعرف ماهية الأشياء، أفقد الكثير من طاقتي الجسدية والعقلية بلا فائدة وكأنني في دوامةٍ لا نهاية لها، وأظن أن ما يمثل هذا الشعور هي الأشياء التي ترتبط بما يفرضه على المجتمع الذي يتمتع بقدرٍ هائلٍ من الخلل، حين أجد نفسي أقع تحت طائلة كلمة “المفروض” أشعر حينها أنني سجين أو جندي غير قادرٍ على اتخاذ أي قرار ولا يمتلك شئياً سوى الطاعة العمياء.

كلمة المفروض تبدأ منذ الصغر حيث بداية الاستعمار العقلي الذي يقودنا نحو الاستنساخ الذي يبدأ بكونك طفلاً له مساحة محدودة من الحركة ويقدس ديانته التي ورثها ويفعل أوامرها عن غير حب ولكن فقط على سبيل الخوف من الأهل لا من الإله الذي يعبده، مروراً بعد ذلك بالدراسة التي لا يهم كثيراً كونها مفيدة أم لا؛ لأنها تحولت من وسيلة للتعلم من المفترض ان يتم قياس مدى تأثيرها على الشخص وعلى شخصيته ومعرفته؛ لتتحول إلى عادة وفرض يجب الخنوع له، لتدخل بعدها إلى التعليم الجامعي الذي يعطي الأهل على أساسه الوعد بالحرية وأنك ستكون صاحب قرار وغير ملزم بتنفيذ الأوامر حين ذاك؛ ولكن هذا ليس حقيقياً فلقد تلقيت مثل هذا الوعد في كل مرحلة تعليمية وعمرية سابقة.
ننتقل بعدها من المرحلة التعليمية وفروضها لمرحلة الخضوع لقرارات شخص آخر وفي تلك اللحظة تختلف الفرائض على حسب الظروف والبيئة لكل شخص، منا من يقضي فرضه في العمل الممل ومنا من يقضيه في معسكرات التجنيد ومنا من تُجبر على الزواج لأنها لم تخلق لسواه؛ وهكذا ياتيك فرضك الذي يجيب عليك أن تنفذه بلا نقاش ولا جدال.
طريقاً طويلاً من فقدان الذات نخوضه منذ الصغر؛ ويجعلنا غير قادرين على تحديد بالفعل من نكون، ولماذا نفعل هذا ولا نفعل ذاك، لذلك أعتبر هذا العنصر الأول وهو السبب عنصراً هاماً يدفعنا طوال الوقت للبحث عن الأسباب الحقيقة لكل الأشياء التي نفعلها وأن لا نكون واهمين أنفسنا بتلك المبررات التي نتخيلها والتي تصل بنا إلى نتائج لا نتمناها ولا نريدها من الأساس.
في النص القادم سأقوم بسرد العناصر الآخرى التي أحاول الاعتماد عليها في تلك المرحلة.
لقد كثرت تلك اللحظات التي يتوقف فيها عقلي عن التفكير فيما تراه عيناني، أصبحت لا أعرف من منا أن والتيه يلاحق الأخر.
سبتمبر ٢٠١٩

FIND OUT MORE

Back to Top