مسخ
في عالم لم أكن فيه كان الناس تجيد سماع بعضهم البعض؛ كانوا يشعرون حقاً بمرارة الحزن كما كانوا يجيدون الفرح، في عالم لم أكن فيه كان الناس يتمهلون قبل الحديث ويختارون بعقولهم ما سوف تقوله ألسنتهم، في عالم لم أكن فيه كان الناس لا يصنفون بعضهم البعض وكان المرء يُعرف من أفعاله وليس مما يتخيله أحدهم عنه.
في الحقيقة أشعر أن عالمنا الواقعي قد تداخل كثيراً مع عالمنا الموازي عبر الإنترنت حيث تهاجم الأفكار والمشاعر بسهولة، حيث يمكنك إدعاء أشياء مثل الثراء الفاحش، النجاح، المثالية وغيرهم، كذلك أصبحت أرى أن الإنترنت هو مكان غير أمن للتعبير عن الأفكار والمشاعر، أصبحنا مضطرين دائماً للتبرير والشرح وكأنك تجلس أمام جلادك ومطالب بالدفاع عن نفسك طوال الوقت على أمل أن يرحمك من قسوة سوطه.
الحياة في هذا العالم أصبحت تفرض عليك لعب دوراً محدداً وأنت مُلزم فيه بالنص طوال الوقت وغير مسموح لك بأن تطلق عنان عقلك للارتجال، على العكس لو قررت الصمت عن الكثير من التفاهات التي تحدث سيشعر أحدهم أنه ربما عليه معايرتك لأنك الشخص الذي لا يمتلك رأياً حول الموضوعات الرائجة -ترند-، أتخيل أننا في القريب سوف نستيقظ من النوم لنحمل هواتفنا منتظرين معرفة -ترند- اليوم حول كيفية النهوض من السرير ثم نقف أمام خزانة الملابس ننظر إلى هواتفنا على أمل أن يظهر -ترند- اليوم سريعاً فنعرف ما اللون والزي الذي من المفترض أن نرتديه كي نمضي في بقيت اليوم طبقاً لما سوف يمليه علينا العالم.
كنت أتمنى لو كنت مزارعاً لا يرتبط عمله بكونه موجود على مواقع التواصل الاجتماعي أم لا، وفي الحقيقة هذا هو الشيء الوحيد الذي أكرهه حول عملي، ولكن مازال بداخلي أملاً كبيراً أن هذا لن يستمر طويلاً وسوف تحل تلك العقدة عن قريب وسأكون قادراً على المضي في عملي بالتوازي مع المضي في فقعتي.
في النهاية لا أعرف كيف يتعاطى هؤلاء المتأكدين مع وجودنا في هذا العالم بينما أنا أقف مرتعداً تجاه كافة ما أراه فيه؛ ربما قد منحهم الإله شعوراً فريداً مكنهم من العيش دون صراعاً داخلياً يقودهم نحو التفكير في كل شئ وفي كل لحظة؛ وربما أنا الذي لم أفهم الحياة وتوهمت أنا لهذا العقل مبرراً لوجوده، في الحقيقة لا أهتم في العيش على طريقة أننا في رهان من يمتلك الأفكار الصحيحة لأنني حقاً غير مهتم بنتيجة هذا الرهان، سأبقى أنا؛ سوف أتغير حين يلزم ذلك، سوف أتعثر وانهزم وأبكي وأفشل، وأيضاً سوف أنجح وأفرح، فليأخذ كل شعوراً قدره الذي يريد أن يناله مني.
سبتمبر ٢٠٢٢

FIND OUT MORE

Back to Top